
عودة إلى مأساة الطفولة السورية المختطفة
في ذكرى سقوط نظام الأسد، تتجلى مأساة السوريين عموماً، والأطفال خصوصاً، كجانب ذاق حظّه الأسوأ في أزمة استمرت أكثر من عقد. أكثر من 110 آلاف مفقود حتى الآن، منهم آلاف الأطفال الذين اختفت أسرهم عنهم أو اختفوا بظروف غامضة وسط نزاعات لا تنتهي، سواء بفعل الاعتقالات التعسفية أو عمليات الخطف أو عبر تبني غير قانوني. هذه الأرقام ليست مجرد معطيات إحصائية، بل تعبر عن قصص من الألم والآمال المكسورة والتشويش على مستقبل جيل بأكمله.
أبعاد الاختفاء القسري وتأثيره على النسيج المجتمعي
الاختفاء القسري يترك أثراً مدمراً يتجاوز الأهل المفقودين ليطال المجتمع ككل، إذ يسهم في انتشار حالة من الخوف والريبة تقوض ثقة الناس في كل مؤسسات الدولة والسلطة. الفقدان المستمر لهذه الأعداد هو عملية تفتيت للترابط العائلي والاجتماعي، وهو استنزاف متعمّد يواصل تكسير النسيج السوري من الداخل. دون ضمانات للشفافية والمساءلة، تظل هذه الظاهرة مضخمة ومعقدة، مما يعقّد مسارات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
الطفولة في مخازن الملاجئ والتبني غير القانوني: واقع مدمر
وثائق وشهادات تكشف عن وجود آلاف الأطفال الذين وُضعوا مؤقتاً في ملاجئ خاصة، غالباً بتنسيق بين جهات فاعلة داخل النظام ووسط الحرب، وفي بعض الحالات تحوّلوا إلى ضحايا تبني غير قانوني، ازدادت هذه الظاهرة وسط الفراغ القانوني وانعدام الضوابط مع استمرار النزاع. هذا الواقع يعكس مأساة إضافية: أطفال فقدوا أهلهم واختُطفوا من عالمهم، ثم وُضعوا بحكم الأمر الواقع تحت رحمة شبكات غير رسمية، قد تكون لها أغراض تجارية أو سياسية، وهذا يجعل من عودتهم إلى عائلاتهم الأصلية أو مجتمعاتهم الأساسية أمراً بالغ الصعوبة.
التحديات السياسية والقانونية أمام مصير السوريين المفقودين
مسألة المفقودين في سوريا ليست مجرد أزمة إنسانية بل قضية سياسية وقانونية معقدة. الحكومة السابقة والجهات الأمنية المتعددة غير قابلة للرقابة أو المحاسبة بالشكل الكافي، بينما الفصائل المعارضة والعناصر المتعددة في الساحة لم تقدّم حلولاً ناجعة. طول أمد هذه الأزمة يجعل فرص العدالة والإصلاح القانوني أكثر تعقيداً، ويطرح تساؤلات جدية حول آليات التوثيق والمساءلة ومعالجة الأزمات الإنسانية، لا سيما حقوق الأطفال الذين هم الحلقة الأضعف في كل ذلك.
العدالة الانتقالية وضرورة الحلول الشاملة
لا يمكن لأي جهد حقيقي لإرساء السلام والاستقرار في سوريا أن يتجاهل ملفات المفقودين والاختفاء القسري والاطفال المختطفين. العدالة الانتقالية هنا تحتل مركز الصدارة، فهي السبيل لإنهاء حالة الإفلات من العقاب، وتمكين الناجين من استعادة حقوقهم، وإعادة دمج الأطفال والمفقودين في مسيرة الحياة الطبيعية. تتطلب هذه الخطوة بنى وطنية ومحلية معززة، إلى جانب دعم دولي يحترم سيادة سوريا ومتطلبات شعبها، من دون التدخلات المعقدة التي تزيد الأزمة تعقيداً.
دور المجتمع العربي والإقليمي في دعم حقوق السوريين
الدول العربية المنخرطة في متابعة الملف السوري، خاصة السعودية والدول المجاورة، أمام مسؤولية إنسانية وسياسية لاستثمار الوسائل الدبلوماسية والتعاون مع المنظمات الدولية لتوفير الحماية للأطفال والمفقودين، وتشجيع المجتمع الدولي على تبني آليات فعالة للضغط على الأطراف المعنية للتعاون في هذا الملف. لا يمكن إغفال الكتلة الكبيرة من اللاجئين السوريين التي تحتضنها الدول العربية، حيث يمكن أن تكون برامج الدعم النفسي والتكاملي للعائلات المنكوبة سبيلاً لتخفيف المأساة وتعزيز بناء مستقبل أفضل.
الختام: رحلة البحث عن المستقبل وسط ظلال الماضي
بين الماضي المؤلم الذي اختطفه العنف السياسي والنزاع المسلح، ومستقبل مجهول يحاول السوريون إعادة رسمه عبر رحلة استثنائية من النضال والصمود، تظل قضية المفقودين والمختطفين وخاصة الأطفال جزءاً لا يتجزأ من هذه المعادلة الوطنية. ربما لن يسقط نظام الأسد إلا ليبدأ السوريون في فك أسطر هذه القصص المخفية، يستعيدون من خلالها طفولة ضائعة وينتزعون مصيراً أكثر إنسانية وعدالة. الوقت يستدعي تضافر الجهود المحلية والإقليمية لإعادة الإنسان إلى مركز هذه المعركة، بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة، لأن معركة سوريا الحقيقية تبدأ حين ينتصر حق الإنسان على العنف والمجهول.