
مقتل فلحوط: انعكاس لإضعاف بنى التعايش الطائفي في السويداء
يشكل مقتل الشيخ الدرزي ماهر فلحوط محصلة درامية لصراعات السلطة والنفوذ ضمن محافظة السويداء التي كانت في السابق نموذجاً نسبياً للتعايش والتوازن الطائفي في سورية خلف سياق الأزمة الممتدة منذ 2011. جاء هذا الحدث عقب احتجاز الشيخ على يد ما يسمى بـ "الحرس الوطني"، الأمر الذي أثار نقاشاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، وترافق مع مخاوف جدّية من انهيار أمني شامل ومحاولات لإعادة إنتاج صراعات طائفية داخلية تقوض جهود الاستقرار المحلي.
تداعيات سياسية: من سيطرة الدولة إلى بروز فوضى مسلحة
يمثل ما حدث في السويداء انعكاساً لمأزق تفشي سلطة الفصائل الميليشاوية التي تحاول ملء الفراغ الذي تتركه مؤسسات الدولة السورية، لا سيما في المناطق الطرفية. إذ يؤدي غياب آليات رقابية مركزية فعالة بالتوازي مع ضعف ثقة المجتمعات المحلية بإدارة الدولة، إلى استفحال ظاهرة الاعتقالات التعسفية، والتوترات القبلية والطائفية التي قد تتحول إلى نزاعات مفتوحة. وفي هذا السياق، يصبح مقتل فلحوط نقطة إشارة خطيرة توضح هشاشة السلطة وغياب الأمن والاستقرار، وبالتالي تعقيد المسارات السياسية أمام دمشق لاستعادة السيطرة الكاملة.
أبعاد اقتصادية وانتعاش سوق الفوضى
على الصعيد الاقتصادي، تُبرز الفوضى الأمنية في السويداء تحديات مضاعفة تعوق تعافي البنية الاقتصادية المنهكة بعد سنوات من الحرب والاجتثاث الاقتصادي واسع النطاق. تفاقم النزاعات المحلية يؤثر سلباً على الاستثمارات، والتنمية، ويزيد من نسبة البطالة الفعلية وسط مجتمع يعاني من تدهور الخدمات والبنى التحتية. السوق السوداء للمسلحين والميليشيات تزدهر في غياب الاستقرار، مما يحول الاقتصاد المحلي إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح السياسية مع المكاسب الاقتصادية غير المشروعة.
دروس من السويداء: إعادة بناء الطموحات السياسية والاجتماعية
تطرح هذه التطورات أسئلة جدية حول مدى جدية الجهود الحكومية في إعادة بناء مؤسسات الأمن والمجتمع المدني لتجنّب الانزلاق نحو المزيد من الفوضى والاقتتال الأهلي. فقد بات أكثر من جلي أن الحل الأمني وحده غير كاف لإدارة تعقيدات الهيمنة الطائفية وقضايا العدالة والمشاركة والتمثيل السياسي. وتتطلب الأزمة تركيب إستراتيجيات شاملة تشمل الحوار المجتمعي، إصلاحات مؤسساتية، ودعم اقتصادي موجه لتقوية المجتمعات المحلية وتخفيف الاحتقان الطائفي والسياسي.
خاتمة: آفاق حرجة في ظل هشاشة الجسم السياسي السوري
يشكل مقتل الشيخ ماهر فلحوط علامة فارقة وكاشفة عن هشاشة البنى السياسية والاجتماعية في المناطق الخارجية لسوريا، حيث تتقاطع عوامل الضعف الأمني، السياسي، والاقتصادي. ولئن نجحت دمشق جزئياً في فرض سيطرتها، إلا أن التحديات التي تلوح في الأفق تتطلب مقاربات استراتيجية عميقة تأخذ في الاعتبار التوازن الطائفي الحساس وتتمكن من حماية النسيج الاجتماعي من التفكك. وفي ظل غياب هذا الوضوح السياسي، قد يشهد المشهد السوري المزيد من الاضطراب الذي قد يتجاوز مناطق محددة ليهدد استقرار البلاد برمتها.