
اكتشاف نادر يعيدنا إلى فجر الكون
في مارس 2025، سجل القمر الصناعي الفرنسي-الصيني "سفوم" انفجار أشعة غاما نادرًا وقويًا يعود إلى ما يقرب من 13 مليار سنة، أي إلى فترة قريبة من نشأة الكون نفسه. هذا الانفجار هو خامس أبعد حدث من نوعه يتم رصده بدقة عالية، ما يفتح نافذة فريدة لدراسة الأجيال الأولى من النجوم والظروف الفيزيائية التي سادت في ذلك العصر البعيد.
انفجارات أشعة غاما: أعنف الظواهر الكونية
تنشأ انفجارات أشعة غاما عادة عند انهيار نجوم ضخمة كتلتها تفوق 20 مرة كتلة الشمس، أو من اندماج نجوم كثيفة للغاية. وتنتج هذه الانفجارات طاقة هائلة تعادل في سطوعها طاقة أكثر من مليار شمس، ما يجعلها من أقوى مصادر الطاقة في الكون. هذه الظواهر لا تقتصر على كونها مجرد أحداث فلكية، بل تمثل مختبرات طبيعية لدراسة الفيزياء في ظروف لا يمكن محاكاتها على الأرض، حيث تتسارع المادة إلى سرعات تقترب من سرعة الضوء.
دور مهمة "سفوم" في رصد الظواهر الكونية
أُطلقت مهمة "سفوم" في يونيو 2024 بهدف اكتشاف وتحديد مواقع الأجسام الفلكية المتغيرة والظواهر الكونية ذات الطاقة الهائلة. وقد أثبتت المهمة جدواها بسرعة، إذ تمكنت من رصد هذا الانفجار الضخم في مارس 2025، مما مكن العلماء من توجيه التلسكوبات الأرضية لمتابعة الانبعاثات اللاحقة بأطوال موجية متعددة، من الأشعة السينية إلى الراديوية، وهو ما ساعد في تحديد موقع المصدر بدقة ودراسة طبيعته بشكل معمق.
فهم فيزياء الكون المبكر عبر وميض غاما
يمثل هذا الانفجار فرصة ذهبية لفهم الأجيال الأولى من النجوم التي تشكلت من المادة البدائية المكونة أساسًا من الهيدروجين والهيليوم. هذه النجوم كانت مسؤولة عن إنتاج العناصر الثقيلة الأولى مثل الحديد والكربون والأكسجين، التي شكلت اللبنات الأساسية لتطور الكون. بفضل هذا الوميض، يمكن للعلماء دراسة الآليات التي أدت إلى إطلاق هذه الكميات الهائلة من الطاقة، وهو أمر لا يزال يشكل تحديًا في الفيزياء الفلكية الحديثة.
التحديات والفرص المستقبلية في رصد انفجارات أشعة غاما
رغم النجاح الكبير في رصد هذا الانفجار، يواجه العلماء تحديات في سرعة استجابة التلسكوبات الأرضية، إذ استغرق الأمر 17 ساعة لتوجيه أحد أكبر التلسكوبات في تشيلي نحو الهدف، مما أدى إلى انخفاض حدة الرصد. تحسين سرعة الاستجابة سيكون مفتاحًا للحصول على بيانات أكثر دقة في المستقبل، خاصة مع توقع رصد حدث أو حدثين سنويًا من هذا النوع. تكامل المراقبة بين الأقمار الصناعية والتلسكوبات الأرضية سيعزز فهمنا العميق لهذه الظواهر وتأثيرها على تاريخ الكون.
الوميض الكوني كمسبار لقياس تاريخ الكون
تُعد انفجارات أشعة غاما من أقوى الإشارات الكونية التي يمكنها اختراق المادة بين المجرات، مما يجعلها أدوات فريدة لإضاءة المادة التي تمر بها قبل وصولها إلى الأرض. ومن خلال تحليل هذه الإشارات، يستطيع العلماء دراسة الخصائص الفيزيائية للكون في عصور مبكرة جداً، لا يمكن الوصول إليها بأي وسيلة أخرى. هذا الوميض القوي هو المفتاح لفهم المراحل الأولى من تطور الكون، ويعزز من قدراتنا على رسم خريطة دقيقة لتاريخه الفيزيائي.